الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة قراءة في معرض الفنانة نور العلوش

نشر في  24 جانفي 2025  (11:05)

مثّل الجسد، بإمكاناته وصفاته ومفرداته، بحرا شاسعا ينهل منه المفكرون على اختلاف تخصصاتهم ليبنوا نظريات متنوعة حوله أو ليقتبسوا من ميزاته لإثراء أجناسا معرفية عديدة. وإذا كان يعدّ من طرف الفكر القديم بؤرة للشهوات وعائقا أمام تحصيل المعارف، فقد أصبح مهما وذا شأن مع الفكر العلمي الحديث والفينومينولجيا اللتين قطعتا مع التصور القديم للجسد ليجعل فرويد من الحياة البشرية روحية وجسدية في آن واحد ولتؤكد الفينومينولجيا على أن الجسد يمثّل دليل وجودنا في هذا العالم[1]. فالوجود البشري يتحدد من خلال حضور الجسد الذي يعتبر لغة عالمية لا-جغرافية تتجاوز كل الحدود الزمنية والمكانية. 

وهكذا خرج الجسد من دائرة التهميش والاقصاء ليصبح حقيقة مدركة بصريا وفكريا يحظى باهتمام العلوم والآداب... وفي الحقيقة يعود الفضل الكبير للفن- تحديدا في عصر النهضة- في الالتفاتة إلى الجسد ورد الاعتبار له والاعتراف بوجوده بعدما شهد احتقارا وحجبا لعقود عدة من طرف الكنيسة التي تعتبره موطنا للرذيلة. لتتالى بعد ذلك جهود الفنانين – وغيرهم من المفكرين والعلماء- في ابراز أهمية الجسد.  

وفي هذا الاطار تحديدا تنحدر أعمال الفنانة نور العلوش التي دأبت على إبراز أهمية الجسد من خلال أعمالها التشكيلية المتنوعة والحاملة لمعاني عدّة تنبّهنا بما للجسد من جمال وإمكانات. ولعلّ لوحاتها الفوتوغرافية التي عرضتها مؤخرا في دار الثقافة بالمهدية من 27 ديسمبر إلى 03 جانفي تحت عنوان "تياترو-غرافي" خير معبّر عما يحمله الجسد من جمال ودلالات.

لوحات تبدو وكأنها مقتطفات من مشاهد مسرحية والحال أنها أعمالا فوتوغرافية، مما يجعلنا نقرّ بـأنّ العمل الفوتوغرافي للفنانة لم يكن مجرد التقاط لصور عرضية وعابرة بل كانت صورها عبارة عن تكوين إنشائي يقوم على فكرة تتعلق بالوجود الإنساني وأسئلته المتواصلة حول الحرية والحياة والموت والألم والجمال.

لقد استطاعت الفنانة تجسيد الفعل الحركي للتعبير عن نوازع نفسية وخوالج داخلية، فما إن يقع بصرك على الصورة حتى تجد نفسك قبالة أبعاد جوانية عميقة يعبر عنها البياض المتحرك وسط العتمة. والبياض، هنا، يمثل الجسد الإنساني وهو في وضعيات عدّة ومختلفة وتحركات متباينة تفيض تفاصيلها من قلق وجودي يتمظهر في السواد المحيط بالشخصية، بل تظهر هذه الأخيرة تسحب نفسها من سواد ربما كانت جزءا منه تعبيرا عن انسان كان يعيش في التقليد الأعمى أو في بوتقة العادات والمعتقدات وربما كان السواد يحويها غصبا لتحيل على القضايا الوجودية القصوى مثل الموت والأوبئة والحروب.

ذلك ما يظهر جليّا في لوحة تحمل عنوان "عناء الخلاص" التي تجسد انسانا – تحديدا المرأة باعتبارها الكائن الأكثر عرضة للتكبيل والاسكات – يصارع من أجل الخلاص من قيد يكبله فيظهر داخل لحاف مشدود من الخلف، تبدو ساقاه مشدودة إلى الأرض والجزء الأعلى يقاوم محاولا الافلات، وفي هذا إشارة إلى رفض العقل للقيود وتفكيره في السبيل إلى الخلاص وهذا يعني أنّ ما يزعجه مرتبط بالفكر وفي هذا تأكيد على التأثير المتبادل بين الجسد والعقل فالجسد بإمكانه التعبير عما يفكر فيه العقل في صمت بل هو اللغة ذاتها، كما بينت فنانتنا في مشاهد ركحية منقولة فوتوغرافيا بحرفية عالية.  

 

صورة "عناء الخلاص"

فالجسد يحمل قيما جمالية وفكرية ربما تعجز لغة الكلام عن التعبير عنها، لذا بدت الصور الفوتوغرافية للفنانة نور العلوش وكأنها عرض مباشر للتمثيل الصامت فوق خشبة مسرح وقد صاغت حبكتها بدقة عالية من خلال" بناء الشخصيات وتوضيح دواخلها وبيان الحالة التي تعيشها وتصوير الظروف التي تمرّ بها." [2]

من خلال حركات الجسد المخفي داخل لحاف شفاف تؤكّد الفنانة نور على أن الجسد لا يكف عن الإظّهار وأن تمّ لفه في لحاف فهو يعبر عن تمظهره وتجلياته بتقاسيمه ونتوءاته التي يصعب حجبها. فهذه التقاسيم والنتوءات هي- تحديدا- لغة خاصة بالجسد، إنها كلامه الذي لا يمكن للعقل أن يقوله، وهي أيضا عناصر جمال الجسد ولعل الصورة التي تحمل عنوان "حجب الجمال" لم تستطع حجبه فعليا بل اللحاف زاده ظهورا وأظهر مواطن الجمال فيه.

إنّه جمال يخترق الحدود لينكشف للآخر وللعالم فليس من السهل إخفاء الجسد كما هو بيّن في صورة "تمظهر المخفي" حيث تبدو تضاريس جسد المرأة كما وضعيته ظاهرة رغم تغطيته بالكامل. ولنا أن نشير هنا إلى ما تحمله هذه الصورة من دلالة عميقة نستجليها من وضعية جسد المرأة وملامح الوجه؛ إنّ المرأة هنا في وضعية ركوع على الركبتين وهما مفتوحتين ورأسها منحن إلى اليسار وفي هذا دلالة على الخضوع المجبر ويدها اليمنى إلى الأعلى للإشارة إلى المناجاة أو ربّما تفكير العقل في طريقة للخلاص.   

                      

صورة "حجب الجمال"                    

 "تمظهر المخفي" 

ويمكننا أن نشير إلى أنّ تعمّد الفنانة تغطية جسد المرأة في لحاف يعبر عن وعيها بالإرهاصات  المجتمعية التي تتعرض لها المرأة لتبدو هذه الأخيرة رافضة لما تتعرض له من انتهاكات جسدية ونفسية، فصوّرتها وهي في حالة "خضوع مقاوم" -كما ذكرت آنفا- وهي في حالة مقاومة وكذلك في حالة "موت الجسد" و"موت الروح".

عمل فوتوغرافي ثري دلالاته متعددة وموضوعاته عميقة، فعندما تتأمل الصور جميعها تجدها تشكل مشاهد مترابطة تعبر عن المراحل التي يمر بها الإنسان منذ ولادته حتى وصوله مرحلة البلوغ ليس بيولوجيا ولا فيزيزلوجيا، وإنما فكريا حيث تظهر الشخصية وكأنها داخل "مشيمة" ففي لوحة تظهر في وضع خروج من الرحم وفي أخرى تتلوى باحثة عن طريقة للخروج وفي لوحة تظهر في وضع الجلوس وكأنها قذف بها في هذا الوجود لتبرز في لوحة واقفة وهي تحاول الخلاص من "المشيمة" وكأننا بالفنانة تريد إخبارنا بأن الإنسان –وتحديدا المرأة- منذ خلقه في رحم أمه يعيش داخل لحاف بمعنى مكبلا بقيود اجتماعية وعقائدية وسياسية...  

وإجمالا، فإنّ معرض الفنانة نور ليس مجرّد عرض لصور فوتوغرافية وإنّما هو تحليل لمواضيع وجودية تحيّر العقل الإنساني، بمعنى أنّها تنقل قلقا وجوديّا إيزاء وجود الجسد ذاته وما يكابده من عناء المقاومة والخلاص.   



[1]  - الظاهري، ناصر، وصف الجسد في الشعر الجاهلي، دار الكتاب الثقافي، 2017، ص.95

[2]  - البشتاوي، يحيى سليم، منهجية الإخراج المسرحي، الأكاديميون للنشر والتوزيع، 2014، ص.109